ابن عطية الأندلسي

557

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قوله عزّ وجل : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 29 إلى 33 ] يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 29 ) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ ( 30 ) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ( 31 ) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ ( 32 ) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 33 ) قول هذا المؤمن : يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ استنزال لهم ووعظ لهم من جهة شهواتهم وتحذير من زوال ترفتهم ونصيحة لهم في أمر دنياهم . وقوله : فِي الْأَرْضِ يريد في أرض مصر وما والاها من مملكتهم . ثم قررهم على من هو الناصر لهم من بأس اللّه ، وهذه الأقوال تقتضي زوال هيبة فرعون ، ولذلك استكان هو ورجع يقول : ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى كما تقول لمن لا تحكم له . وقوله : أُرِيكُمْ من رأى قد عدي بالهمزة ، فللفعل مفعولان أحدهما الضمير في أُرِيكُمْ والآخر ما في قوله : إِلَّا ما وكأن الكلام أراكم ما أرى ، ثم أدخل في صدر الكلام ما النافية وقلب معناها ب إِلَّا الموجبة تخصيصا وتأكيدا للأمر ، وهذا كما تقول : قام زيد ، فإذا قلت : ما قام إلا زيد أفدت تخصيصه وتأكيد أمره . و أَرى متعدية إلى مفعول واحد وهو الضمير الذي فيه العائد على ما ، تقديره : إلا ما أراه ، وحذف هذا المفعول من الصفة حسن لطول الصلة . وقرأ الجمهور : الرَّشادِ مصدر رشد ، وفي قراءة معاذ بن جبل : « سبيل الرّشاد » بشد الشين . قال أبو الفتح : وهو اسم فاعل في بنيته مبالغة وهو من الفعل الثلاثي رشد فهو كعباد من عبد . وقال النحاس : هو لحن وتوهمه من الفعل الرباعي وقوله مردود . قال أبو حاتم : كان معاذ بن جبل يفسرها سبيل اللّه . ويبعد عندي هذا على معاذ رضي اللّه عنه ، وهل كان فرعون إلا يدعي أنه إله ، ويقلق بناء اللفظة على هذا التأويل . واختلف الناس من المراد بقوله : وَقالَ الَّذِي آمَنَ فقال جمهور المفسرين : هو المؤمن المذكور أولا ، قص اللّه تعالى أقاويله إلى آخر الآيات . وقالت فرقة : بل كلام ذلك المؤمن قديم ، وإنما أراد تعالى ب الَّذِي آمَنَ موسى عليه السلام ، واحتجت هذه الفرقة بقوة كلامه ، وأنه جلح معهم بالإيمان وذكر عذاب الآخرة وغير ذلك ، ولم يكن كلام الأول إلا بملاينة لهم . وقوله : مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مثل يوم من أيامهم ، لأن عذابهم لم يكن في يوم واحد ولا عصر